أبو علي سينا

116

التعليقات

وعللها الكلية لكان علمنا هذا كليا لا يتغير بتغير المعلوم في ذاته فإن أسبابه وعلله الكلية لا مشخصاته لا تتغير ولا تفسد . مشخصاته وإن كانت جزئية فإن لها عللا وأسبابا كلية لا تتغير ، فالبارى يعرفها كلها كلية وهو يعرف أوائلها من ذاته لأن وجودها عنه . وهو يعرف ذاته ويعرفها علة وأولا لصدور الموجودات عنه . فعلمه غير مستفاد من خارج يلزم ذاته وذاته لا تتغير . الأول يعرف الشخصي وأحواله الشخصية ووقته الشخصي ومكانه الشخصي من أسبابه ولوازمه الموجبة له المؤدية اليه . وهو يعرف كل ذلك من ذاته إذ ذاته هو سبب الأسباب ، فلا يخفى عليه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة . ينبغي أن نجتهد في أن لا نجعل علمه عرضة للتغير والفساد البتة بأن نجعله زمانيا أو مستفادا من الحس ومن وجود الموجودات فيلزم ذاته أن أدخل في علمه الزمان فيكون متغيرا وفاسدا ، لأن الشئ يكون في وقت بحال ، ويكون في وقت آخر بحال آخر . الأول يعرف هذا الكسوف الجزئي بأسبابه المؤدية إليه ووقته الشخصي الذي يكون فيه بأسبابه الموجبة له ، ويعرف مقدار لبثه بسببه ، ويعرف انجلاءه بالسبب الموجب له ، وكل ذلك يعرفه كليا بأسبابه المؤدية إليه الموجبة له ، ويعرف المدة التي بين الكسوفين وجميع أحواله وأسبابه الشخصية ، فلا يتغير علمه بتغير هذه الأشياء وتشخصها إذ ليس يعرفها مشارا إليها . الشئ المشار إليه لا يعرف معقولا إنما يعر محسوسا ، والمعلوم من الأشياء الجزئية لا يكون معقولا بحيث يصح حمله على كثيرين فإن المعقول من هذا الشخص من جهة ما هو جزئي معقول غير محدد فلا يصح حمله إلّا عليه ، ويكون ذلك متخيلا بالحقيقة لا معقولا . وإذا كان المعقول معقول شئ من نوعه في شخصه كان معقوله محدودا . فصح حمله على كثيرين وصح الاستناد إليه إذ هو لا يتغير ، وتكون جميع عوارضه وصفاته المستندة إليه معقولة كالحال في الشمس وعوارضه وصفاته كالشعاع . العلم في الأول غير مستفاد من الموجودات ، بل من ذاته . فعلمه سبب لوجود الموجودات ، فلا يجوز على علمه التغير . وعلمنا مستفاد من خارج فيكون سببه وجود الشئ . وإذ كنا لا ندرك إلا الجزئيات المتغيرة فعلمنا يتغير ولأنها تبطل فيبطل علمنا بها . والمثال في كون علمه سببا لوجود الموجودات هو كما لو علم إنسان صورة بناء فبنى على تلك الصورة بناء ، لا كمن يعلم صورة بناء حاصل بالفعل قائم . لما كان علمه سببا لوجود الموجودات عنه من دون آلة وإرادة متجددة ، بل كانت الموجودات تابعة لمعلوماته - صح معنى : قوله : « كن فيكون » .